ثقافة الشكر ...
2025-12-29
( الناس للناس ، والكل بالله ) عبارة يرددها الآباء والأجداد ، ويعني صدرها : أن الناس مهما اختلفت أجناسهم وأعمارهم ومعيشتهم إلا إنهم محتاجون لغيرهم في خدمة ، أو مشورة ، أو معونة ، وإذا كان كذلك فالأصل أن المحتاج لغيره لابد أن يخفض جناحه لمن يحتاج إليه بقدر حاجته ، ومن ذلك تكبير المعروف ، والإشادة به ، والشكر والثناء للغير بعد الحصول عليه ، تلك ثقافة لايحسنها إلا من تلقى تربية نبيلة ، واحتوى بين جنبيه صدراً سليماً ، وقلباً أبيضاً ، ونفساً كريمة .
نقيض هؤلاء من يقلب الميزان بدهاء ليجعلك تقدم له الخدمة وكأنه صاحب المعروف ، أو يستفتح طلب المعروف بوصفه طلباً صغيراً ، أو استشارة خفيفة سريعة ، أو يكون أحسن ما يكون قبل الحصول على المعروف حتى إذا حازه انقلب أبكماً أصماً أخرساً يعجز عن كلمة شكر منمقة ، أو رسالة صوتية ممتنة ، أو دعوات جميلة مرتبة ، يحسبون المعروف واجباً ، والعطاء لازماً ، وأن الناس كل الناس يفعلون معهم مثل فعلتهم ، وبالتالي لاشكر على واجب ، ولا فضل لأحد على أحد .
الولد يحسن له أبواه الدهر كله ، والزوج أو الزوجة ينعمان بعطاء من شريكهما في كل لحظة ، والطالب يتعلم من معلمه في كل يوم ، والصديق يعاوده كرام أصدقائه بالهدايا والزيارات والخدمات ولكن معدومي ثقافة الشكر والامتنان يرون أن كل الوالدين والأزواج والمعلمين والأصدقاء يفعلون مع غيرهم مثل عطائهم وأفضل منه ، وبالتالي لاحاجة للشكر والثناء ، ولا داعي للامتنان والدعاء ، ونسوا أو تناسوا أن هذا العطاء الكريم المستمر هو نتيجة أدب جم ، وأخلاق عالية ، وإنسانية راسخة ، وسخاء متأصل جعلهم يفيضون على غيرهم عطاء وبذلاً وإحساناً ، ولكن تأبى النفوس الكفورة معدومة ثقافة الشكر أن تتفوه بدعوة جميلة ، أو رسالة لطيفة تجعل العطاء يستمر ، والنبلاء يتشجعون للاستمرار .
العجيب في معدومي ثقافة الشكر أنهم متشوفون بتطرف لكلمات الشكر والامتنان من غيرهم -ولو كان موجبهما لايكاد يذكر - ، يحاولون تضخيم المنجزات التافهة ، والخدمات البسيطة ، ينتزعون كلمات الشكر من غيرهم قبل أوانها ، يرددون بمنة صغير عطاءاتهم ، ويستعظمون قليل إحسانهم ، ومع ذلك يتشوفون للكثير من الدعاء والثناء رغم بخلهم وخرس ألسنتهم بها ، ألا صدق الله ( ويل للمطففين ) ...
د / عبدالعزيز عبدالرحمن الشبرمي