تجارة الوهم
2025-12-29
رغم تقدم العلم ، وثورة الذكاء الاصطناعي ، وفناء الأعمار في التخصصات الدقيقة تستغرب من انتشار المتاجرين في الوهم ممن استطالوا طريق العلم والمعرفة ليلتفوا على النجاح من أقصر الطرق - ولو كان النجاح متوهماً أو مزوراً - والأشد غرابة عندما يقوم السذج والبسطاء بتصديق هؤلاء فضلاً عن التسويق لهم .
تأمل طريق الطب الذي أنشئت له الجامعات ، والبحوث ، والدراسات ، والمختبرات ، والتخصصات ، وبذل الأطباء فيه الاف السنين المتعاقبة جيلاً بعد جيل ليخرجوا بنظريات علمية تدعمها الاف التطبيقات العملية والنتائج المخبرية ، ثم يأت فلاح أو راعي إبل ربما تعثر في المرحلة الابتدائية ليخترع دواء لكل داء من خلال تفحص وجه المريض ، أو ربما من صورة يديه ترسل له عبر وسائل التواصل ليتحول إلى جهاز أشعة مقطعية ، وجهاز تحليل في آن واحد ، ويصدر النتيجة الطبية في الحال ، ثم يتحول لصيدلي بارع ينسف كل نظريات الطب ، وتخصصات الأطباء ، ويتهم كل الدراسات والنظريات والأدوية والعلاجات!!
وآخر يمتهن تفسير المنامات ، وتأويل الأحلام ، ليخرج من كل أضغاث أحلام بتأويل لا يتجاوز وعداً بالرزق ، أو تحذيراً من حاسد ، أو ترقباً لغائب أو خاطب ، ويتأكد البلاء عندما يؤول ذلك للفتنة بين الأزواج والأقارب ، وادعاء السحر والعين بينهم بناء على الوهم في المنام ، ثم الوهم في التأويل .
إن هذا وذاك لا يقلون جرماً عن مدعي الغيبيات ، وربط حركة الأفلاك والنجوم بالحوادث الأرضية غير أنهم ينطقون بالغيبيات دون رابط محسوس سوى بصرهم الذين يلبسونه لباس البصيرة ، وتخميناتهم التي يرجحونها على النظريات العلمية الرصينة ، وكلهم يتفقون بالمتاجرة بالوهم ، ويجدون من يسوق لهم ، ويصفهم بالمُلْهَمين .
خاتمة القول : إن تجارة الوهم لم يكن لها لتروج لولا أن سوق الوهم في الناس مشرع الأبواب والأكشاك ، فقد وجد الطبيب المزور مريضاً متوهماً فأسعد الله سعداً بسعيدة ، ووافق شنٌ طبقة ، وعلى قدر أوهامكم تبتلون …
د. عبدالعزيز بن عبدالرحمن الشبرمي