التمادي في المفاوضات
2026-01-14
الإنسان بطبيعته ومدنيته كثيراً ما يحتاج إلى المفاوضات التي تسبق المعاملات والعقود ، وهي ملكة يتمايز فيها البشر بطبيعتهم الفطرية ، وبما اكتسبوه من مهارات وخبرات .
في بعض الأحايين يجد أحد المتعاقدين - وقت تعاقده- أنه أمام ما يشبه بعقود الإذعان ، فيملي القوي فيه على الضعيف العديد من الشروط والالتزامات الثقيلة ، إن لم تكن الظالمة ، والتي لايملك معها إلا القبول ، والتسليم ، بل والاستسلام .
ثمة أمر يجب على الطرف الذي يظن أنه القوي أن يتنبه له ، ويحسب له حسباناً قبل أن تنفرط الصفقة من يديه فتعود كاسدة بعد أن كانت في غاية الربح والنفاسة ، وهو أن الموجب لقبول الشروط القاسية من قبل الطرف الأضعف قد يكون أمراً متوهماً عند صاحبه ، أو تستيقض من جلدات المفاوضات كرامته وعزته ، أو يكتشف غباءه وسذاجته ، أو يبعث الله له مستشاراً ناصحاً يخرجه من عتمة الصندوق المقفل على سمعه وبصره وبصيرته ، ثم سرعان ما تُرفض كل الشروط الظالمة ، وتنبذ كل الالتزامات القاسية ، ويرجع المتوهم قوته لبضاعته وقد ردت للسوق من ( باب الرجيع ) وحينها يدرك صاحبها أن التمادي في استغلال الضعف والحاجة لدى المستفيدين أمر ترفضه الشريعة ،وتأباه المروءة ، ويعاقب ذو الطمع بضياع ما قد جمع .
تحضرني العديد من المواقف والشواهد في هذا الباب ، وكيف يرفض أحد الخصوم صلحاً مجزياً ، وعرضاً مغرياً ، ثم يصبح على خسارة فادحة أفلسته من نيل الصلح المجزي والعرض المغري ، ولم يقف الأمر عند ذلك ، بل جعلته غارماً أمثاله ، وملاحقاً بأضعافه وذلك بفضل طمعه ونزقه وسوء تقديره ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم " رحم الله امرءاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى ، وإذا قضى وإذا اقتضى " …
د. عبدالعزيز بن عبدالرحمن الشبرمي